ساسي سالم الحاج

34

نقد الخطاب الاستشراقي

الإمبراطورية حلم الإسكندر الأكبر الذي كان يدغدغه وهو إقامة وحدة عالمية لا فارق فيها بين الأجناس والديانات واللغات ، تلك الوحدة التي صاغها بقالب فلسفي المفكر اليوناني « زينون » وحاول الإسكندر تطبيقها إلا أن المنية عاجلته قبل الأوان فحققها من بعده الرومان . ولمّا استولى « يوليوس قيصر » على مصر بمساعدة الأعراب المرافقين للملكة كليوبترة الهاربة من أخيها ، واستدراجهم لعدوه « بومبي » وقتلهم إياه ، فقد قدّموا مصر على طبق من ذهب لهذا الفاتح العظيم المعدود من عظماء الرجال على مر العصور . وقد راوده هو الآخر حلم الاستيلاء على الجزيرة العربية الغامضة الأسرار ، القاسية الطبيعة ، الوعرة المسالك ، فأوعز إلى حاكمه بمصر « أوليوس غالوس » بغزوها للاستيلاء على ثرواتها المتمثلة في المر واللّبان والبخور والأفاويه ، ولقد كان هذا المشروع عبقريّا لو تم له النجاح لأن ذلك يؤدي إلى ضمان مصالح روما في هذه المنطقة الهامة من العالم ، وصيرورة البحر الأحمر بحرا رومانيا كما فعلت بالبحر المتوسط قبله . إن حملة « أوليوس غالوس » كان محكوما عليها بالإخفاق منذ الوهلة الأولى لسوء تقدير الرومان للسكان العرب من جهة ، ولقساوة الطبيعة التي لم تكن في حسبانهم من جهة أخرى . وأفضل وصف لهذه الحملة قدمه لنا الجغرافي الشهير « سترابون » الذي قيل إنه كان مرافقا لها « 1 » فأخبرنا عن سير الحملة بحرا وبرا والطرق التي سلكتها ، ووصف طبوغرافية الأماكن التي مرّت بها ، والصعوبات التي واجهتها ، والأهداف التي سعت إلى تحقيقها ، وسلوك النبط الذين تعاونوا معها ، ومع ذلك فإن هذا الجغرافي النابه لم يذكر لنا بالتفصيل الأماكن التي مرّت بها الحملة ، وأسماء القبائل التي اتصلت بها ، ولكنه أشار بصفة واضحة إلى وصول هذه الحملة إلى مدينة نجران ، وهذا يدل على اختراقها للجزيرة العربية بكاملها حتى اليمن السعيد . وبالرغم من المقاومة العنيفة التي لاقتها الحملة من العرب والتي لم تكن تحسب لها حسابا ، فإن هذا المؤرخ الجغرافي يزعم أن الإصابات اللاحقة بالحملة لم تكن نتيجة المقاومة الشديدة التي تعرضت لها ، ولكن مرجعها يعود إلى الأمراض والأوبئة ومشقات

--> ( 1 ) د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الثاني ، المرجع السابق ص 44 .